الخطاب الانهزامي في الجزائر في خدمة مصالح البورجوازيين الكومبرادوريين (العملاء)

أو في نقد الخطاب الانهزامي في لغتنا العربية الدارجة الخادم للمصالح الاقتصادية للحركى الجدد (البورجوازيين الكومبرادوريين):

Street-Art-In-Berlin-BLU-3
عمل جداري لـبلو، فنان إيطالي . مصدر الصورة: https://www.streetartbln.com/street-artist-blu-the-mural-legend-in-berlin-fotos-and-report-by-street-art-bln/

إنّ عبارة مثل « خدمة العرب! » وعبارة « العربي ما يحبش يخدم » خطيرة للغاية لأنها تحمل عقلية كره الذات وتبثّ سمّ الخطاب الانهزامي في نفوس المواطنين، خاصة الشباب والمراهقين منهم، وهي تخدم بالدرجة الأولى مصالح البورجوازية الكومبرادورية[1] المحلية لأن المصالح الذاتية لهذه البورجوازية ترتبط بمصالح الشركات الأجنبية (أي بالرأسمال الأجنبي) وبمصالح الشركات المتعددة الجنسيات (أي بالاحتكارات الأجنبية). فهذه البورجوازية الكومبرادورية لا تنتج شيئا يُذكر محليا ولا تؤمن أصلا بالانتاج الوطني وتكفر بالسيادة الوطنية وبمشروع التنمية الوطنية المرتكز على الذات وتضحك على القيم النبيلة كالكرامة والكفاح من أجل الاستقلال وحب الوطن  فهي بالتالي بورجوازية عميلة تخدم المصالح الاقتصادية للقوى الاستعمارية الجديدة التي تريد الاستيلاء على جميع ثروات بلدنا وموارده الطبيعية.

من مصلحة هذه البرجوازية العميلة المحلية، كقوة اجتماعية مهيمنة على الحياة الاقتصادية والسياسية في بلدنا، أن تسود النفسية الانهزامية الاستسلامية في أوساط الشباب الطلاب، الأطباء، المعلمين، الأساتذة والباحثين حتى يغادروا الوطن ويهاجر جزء كبير منهم (كرهًا) إلى الشمال ليستقروا فيه وليملؤا (كرهًا) مخابر وجامعات ومستشفيات أجنبية ويوظّفون علمهم ومعارفهم التي تعود بالفائدة على دول أجنبية. طبعا، لا ننسى أنّ هذه الهجرة، التي تحرّكها محليا ظروف اجتماعية واقتصادية قاهرة، تشمل كذلك شبانا بطالين في البلد سئموا من البطالة أو كوادر في مؤسسات عمومية وخاصة.

لو كان « الجزائري فنيان » لما شيّدت بعد الإستقلال أيادي العمال والمهندسين الجزائريين مدارس ومتوسطات وثانويات وجامعات (جامعة العلوم والتكنولوجيا بالعاصمة ووهران، جامعة منتوري بقسنطينة، المعهد الوطني للبترول  وجامعة المحروقات والكيمياء (بومرداس)، جامعات بجاية، خنشلة، سكيكدة، تيارت، باتنة، بسكرة، مستغانم، تيزي وزّو، بشّار، أدرار، إلخ)، ومستشفيات ومصانع ومعامل ومؤسسات وطنية عمومية كبيرة (صونطراك، صونلغاز، صونيباك، صونيتاكس، سْنِيك، صونيليك، صوناكوم، صوجيديا، إينا سكر، كوتيتكس، صومباك، إلخ…)[1] تخدم المصلحة العامة وتلبي حاجيات أغلبية المواطنيين.

قلنا إنّ هذه البرجوازية الكومبرادورية تكفر بمشروع التنمية الوطنية المرتكز على الذات إذ تنهمك هذه البرجوازية من جهة في استهلاك سلع أجنبية، وفي مقدمتها مواد غذائية ومشروبات لعلامات تابعة لشركات متعددة الجنسيات مختصة في البسكويت، حبوب الذرى، الشوكولاطة، الجبن، اليوغرت، إلخ…وتحتقر من جهة أخرى كل ما تنتجه أيادي عمال وعاملات جزائريين من مواد غذائية ومشروبات تخرج من مصانع شركات جزائرية. لا يجب أن نتعجب من انهماك عناصر البورجوازية الكومبرادورية المحلية في استهلاك سلع أجنبية إذ هي (أي البورجوازية الكومبرادورية) هي من تستورد هذه السلع وتسوّقها محليّا في محاولة لخنق ما تبقى من إنتاج وطني. هذه البورجوازية الكومبرادورية (وبارونات الاستيراد جزء منها[2]) هي من تغرق السوق المحلية بمختلف السلع الأجنبية (من سكاكين وشوكات وملعقات وكؤوس وثلاجات وفناجين وأباريق وحتى عود الكبريت والأثاث والورق) في سياق الفراغ الرهيب الذي تسبب فيه حلّ الشركات الوطنية العمومية التي كانت مختصة في صناعة هذه المنتجات (كشركة السيلباب[3] بالنسبة للورق وكومامو في صناعة الأثاث) . ووسط هذا الفراغ المقصود یكتسح التيار البورجوازي الكومبرادوري الساحة ویمدح العولمة ومنتجات الشركات المتعددة الجنسيات ویبث دعايته التحریفیة الخبيثة في من يجهل الوجود السابق للعديد من المؤسسات الوطنية العمومية المدفونة فيقول أصحاب ومؤيدو هذا التيار العميل « ما كانش إنتاج وطني » « الجزايري ما شي تاع خدمة »، « أتريدون ألّا نستورد فيموت الناس جوعا ونعود إلى عصر سوق الفلاح وافتقار المواد الأولية؟! « . هذه الدعاية الكومبرادورية تستهدف بالدرجة الأولى تدمير الروح الوطنية أو احتمال نشأتها في قلوب الشبان والمراهقين المنتمين إلى الفئات الشعبية وإلى تدمير إيمان الجزائريين بإرثهم النضالي وبقدراتهم وبأنفسهم، هذا من ناحية، وغرس ثقافة استهلاك السلع الأجنبية  وسلع الشركات المتعددة الجنسيات في عقول هؤلاء الشبان والمراهقين من ناحية أخرى. ثم عندما يردّ شخص وطني على فكر التيار الكومبرادوري وينتقده ويشدّد على ضرورة الدفاع عن الإنتاجات الوطنية وحمايتها وبعث مشروع التنمية الوطنية[4] لكي نفتك حقًا استقلالنا الاقتصادي ونتحرر من التبعية، ترى البورجوازيين الكومبرادوريين وأنصارهم يدخلون في هستيريا وتسمعهم يقولون: « واش من حماية الانتاج الوطني وبعث مشروع التنمية الوطنية؟! ما زالك عايش في زمان؟! ما زالك تؤمن بالغول؟! أنت شعبوي!! ذلك كان في الماضي أمّا هذا العصر فهو عصر العولمة والكونية ويجب أن نتبع فلسفته! » « الجزايري يحبها راقدة وتمونجي »، « ياك الجزايري ما يعرف يدير والو! » « المنتوج الجزائري رديء جدّا ولا يمكنه أن يتميّز بالجودة » إلى غير ذلك من المقولات التي لا تعتمد على أي منهج علمي في التحليل فتغدو مجرد خزعبلات كومبرادورية.

إنّ المبتغى من كل هذه الدعاية التحريفية  والتخريبية، التي يمارسها البورجوازيون الكومبرادوريون وأنصارهم ضد كل ما هو وطني في بلدنا، هو دس الانطباع في نفس الشاب بأنّ ماضينا مجرد « أرض جرداء » وأنّنا « من 1962 ما خدمنا والو » وأننا « شعب مغلوب قابل للاستعمار »، فيتحول هذا الانطباع عند قسم من الشبان إلى تشكيك صريح في شرعية الحرب التحريرية الوطنية ومثلها العليا وإلى تشكيك في حقيقة المقاومات الشعبية المسلحة والمستمرة التي خاضها أجدادنا منذ العصور القديمة (منذ الاستعمار الروماني) إلى غاية الاستعمار الفرنسي. ومقولة « من 1962 ما خدمنا والو » (لم ننجز شيئا منذ 1962) هي ليست افتراء وتحريفا لتاريخ الجزائر الصناعي فحسب، بل هي كذلك محاولة التيار البورجوازي الكومبرادوري محو ذاكرة الثورات الصناعية والزراعية والثقافية التي شهدها بلدنا في نهاية الستينات وخلال سبعينات القرن الفائت (فترة رئاسة هواري بومدين، فترة النهج الاشتراكي) والتي كانت واقعا ملموسا بالنسبة لجزء كبير من الجزائريين.

تخضع البورجوازية العميلة المحلية أشد الخضوع للمصالح الاقتصادية لكبار الرأسماليين الأجانب، لدرجة أن البورجوازيين الكومبرادوريين وأنصارهم يقدّسون الثقافات الأجنبية (خاصة الثقافة الاستهلاكية الأمريكية والأوروبية الغربية) باسم الكونية ويحتقرون الثقافة الوطنية. وبعد الاستيراد المفرط للسلع ها نحن الجزائريون نرى اليوم البورجوازيين الكومبرادوريين يستوردون عمال البناء لتشييد فيلا أو عمارة أو مبنى…ثقافة التيار البورجوازي الكومبرادوري هي ثقافة ذيلية وخاضعة لمصالح اقتصادية خارجية.

صحيح أن ثورة الفاتح من نوفمبر 1954 المجيدة مكّنت وطننا من استرجاع استقلاله السياسي ولكنه استقلال ناقص إذ بقي أن نتحرّر من الاستعمار الاقتصادي والإيديولوجي ومن الفكر الاستعماري القديم في خطابنا اليومي ومن الفكر الانهزامي المحلي الموجود في لغتنا الدارجة. ينبغي إذن أن نحرّر عقولنا من الانهزامية ومن الذيلية الفكرية. التحرر هو ضرورة ملحّة.  يقول في هذا السياق المفكّر الجزائري الشهيد فرانز فانون في مقاله « تصفية الاستعمار والاستقلال »، الصادر على جريدة المجاهد بتاريخ 16 أفريل 1958، فيكتب ما يلي:

« إنّ التحرّر هو تحطيم النظام الاستعماري، بدءًا من تحطيم هيمنة لغة القامع وإلغاء إلحاق البلد بمحافظات القوة الاستعمارية القامعة وصولا إلى تحطيم الوحدة الجمركية التي تُبقي، في الواقع، المُستَعْمَر السابق في أغلال ثقافة وموضة وصور المستعمِر. » (ترجمتنا)

 وكما قال في ذات السياق الرئيس الجزائري الشهيد والمناضل هواري بومدين : « هناك نوعان من السياسة في العالم. سياسة الاعتماد على النفس ومعناها المحافظة على السيادة والكرامة والابتعاد عن كل ضغط أجنبي، وسياسة الاعتماد على الخارج، هذه السياسة لا نستطيع أن نشيّد بها بلادنا ونقيم بها المصانع والمدارس. إنّ سياسة الاعتماد على الخارج معناها التنازل على قسم من السيادة الوطنية. » (1 ماي 1967)

بقلم: محمد وليد قرين.

المراجع:

  • مصطفى الأشرف، الجزائر: الأمّة والمجتمع، ترجمة: الدكتور حنفي بن عيسى، دار القصبة للنشر، 2007، الجزائر.
  • منصور بوشناف، كومبرادور، بوابة الوسط، 15 يونيو 2014، ليبيا http://web.archive.org/web/20171024042821/http://alwasat.ly/ar/news/kottab/22821/
  • إدوارد سعيد، تغطية الإسلام، ترجمة: محمد كرزون، دار نينوى، دمشق، 2011.
  • Frantz Fanon, Décolonisation et indépendance, El Moudjahid, n°22, 16 avril In «Pour la révolution Africaine », Hibr Editions , Algérie, 2014.
  • Kamel Kateb, Européens, « Indigènes » et juifs en Algérie, (1830-1962),

Editions el Maarifa, 2010, Algérie

  • Mostefa Lacheraf, Algérie : nation et société, SNED, Alger, 1978.
  • Wa Thiong’o Ngugi, Decolonising the mind, Zimbabwe Publishing House, Harare, 1987.
  • Hannah Arendt, L’impérialisme, traduit par Martine Leiris, Editions Points, Paris, 2010
  • Annuaire des entreprises algériennes 1996, ANEP, Alger, 1996.

[1]  أغلب هذه الشركات الوطنية الكبيرة المذكورة في هذه الفقرة تم تصفيتها في ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي في إطار سياسة « الانفتاح » الرسمية على « السوق الحرة » والتخلي الرسمي عن مشروع التنمية الوطنية. راجع كتاب رشيد تلمساني Etat, Bazar et Globalisation, l’aventure de l’infitah en Algérie, Editions El Hikma, Alger, 1999.

[1]  بخصوص هذا المصطلح، راجع كتب ومقالات سمير أمين، مفكر وعالم في الاقتصاد السياسي.

[2]  يمكن أن نضع في هذه الخانة أيضا الممثلين المحليين الحصريين للعلامات التجارية التابعة لشركات أجنبية (ذات جنسية واحدة أو متعددة الجنسيات.

[3]  بالمناسبة كتب صاحب هذه المقالة دروسه المدرسية في بداية التسعينات على دفاتر أنتجتها السيلباب، المؤسسة الوطنية لصناعة السليلوز والورق.

[4]   كانت التنمية الوطنية المرتكزة على الذات واقعا ملموسا في ستينات وسبعينات القرن الماضي. للإطلاع على هذا الموضوع، أنظر كتاب مصطفى بوتفنوشت، Le socialisme dans l’entreprise ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،  الجزائر، 1978.

ملاحظة: صدرت هذه المقالة كذلك على جريدة الحياة الجزائرية (على الصفحة 14). نسخة المدونة هي نسخة مستحدثة. الرابط لقراءة المقالة في الجريدة: https://www.elhayatonline.com/wp-content/uploads/2018/12/PDF-1580.pdf

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :
search previous next tag category expand menu location phone mail time cart zoom edit close